مرافىء

الخميس,آب 28, 2008


قصة قصيرة
 
......لم يمت
 
 
يا علماء بغداد من أراد أن يناظرني فليقعد معي
بقلم :جيلالي عمراني*
 
  بدا القلق على السجّان، بل أحسّ في لحظة ما بالموت يدنو منه بلا رحمة، شعر بيديها تطوقا عنقه،  إذ قال قائل أنّ السجّان مال بجسمه بحثا عن الرجل البدين ليسأله عن شكل الموت باعتباره أقدم سجين تعرض للموت أكثر من مرة في سجون القبيلة. قهقه الرجل البدين، في حقيقة الأمر كان سعيدا باهتمام السجّان، بدليل أنه خصّه بسؤال حقيقي و مهم و مخيف في ليلة مختلفة تماما..سوّى دشداشته على رأسه ثم قال:
- لا تهتم يا كابتن كلنا سنموت الليلة أو بعدها..هه..هه...هه
صرخ و تأوه بفعل الجعة الرديئة أو بفعل اليأس وهو الذي لم يتخلص بعد من تسرّبات الماضي التي تلاحقه في لياليه.قائلا:
-أتكون ليلتنا حمراء أم سوداء ؟
لم يجبه أحد لسوء الحظ، أمّا النّادل تضايق بالفعل من تواجد الرّعاع بهذا العدد الكبير.
    ترقب ثقيل يتخلله بين الحين والأخر تصرفات جنود حضروا للتو، يتراوحون بين الركن و الأخر، يشربون،و البعض الآخر يرقص على أنغام شرقية،أمّا بقية الجنود ارتكنوا إلى الكنتوار الأمريكي الصنع في حانة تسع الجميع .
     دخل الجلاد، حوله مئات أو الآلاف من عشاق الجعة الأمريكية و الرقص الشرقي. أخذ مكانه وسط الصحن، همس الجنود المنتشين السّعداء بوجود هذا العدد الكبير من الراقصات الجميلات و السمراوات: " بأن الجلاد في النهاية نصف بطل.."
وقال آخرون:" أنها كذبة أفريل ليس إلا"
ثم ضحكوا جميعا.
   تململ (إذن)ليره الجميع أو لير وجوه مشكّكين و معجبين بشجاعته و صموده طيلة سنوات.
 في تلك اللحظة أراد بشكل ما أن يترفع على الجميع و أمام السجان غير معني بهذه الزيطة المتواصلة من أجل لا شيء. في النهاية نموت جميعاهه هه هه هه قالها الرجل البدين الذي جاء خصيصا من أجل الجعة لا غير. أخذ الجلاد نفسا عميقا. عيون كثيرة تراقب المشهد، ثم قال:
-" طالما تعبت كثيرا من أجل الحرية ..أيوه! أنا الذي ناشد أحرار العالم من أجل حريتنا، من أجل حرية نسائنا( تعالت زغاريد النساء العاريات) من أجل أطفالنا و حميرنا أيضا..أنا تعبت..أنا...أليس كذلك يا سيدي!"
قال الرجل البدين:
-"قلها لنستريح."
 ابتسم أخيرا. ربما يعبر ذلك عن خوف من الآتي كما أولها العديد من رواد الحانة و هم تأكدوا بالفعل من نهاية الكابوس. توقف عن الاسترسال فجأة، عيناه في مدخل الحانة الأمريكية حيث تقف كلارا كعلامة تعجب فريدة من نوعها، جميلة، طويلة، رشيقة، من رآها تلك اللحظة حتما يتساءل:
-كيف جمعت كلارا بين الجمال و العناد الذي يربك خصومها؟
-هل لهذه النخلة خصوم؟  يتساءل آخر.
     كانوا يتابعون الموقف باندهاش، والغيرة تقتل الكثيرات من ذوي السوابق و السمعة السيئة في أرجاء القبيلة الذبيحة. تراءى لهم أنها تدخل التاريخ بوقفتها تلك وسط الزّحمة و الأعاصير، بجلبابها الأسود، وفي عينيها دمعتين. لم ير أحدهم كلارا تبكي في يوم من الأيام حتى يوم قتل زوجها الضابط، اكتفت بوضع إكليل من الزهور على قبره بينما القائد العسكري يقرأ كلمة التأبين، شدتّها كلماته المقعرة عن شجاعة البطل و دفاعه المستميت عن المظلومين في مشارق الأرض و مغاربها، لم تكن تعرف زوجها إذن لم تكن تدري بأنه بطل حقيقي، بالتأكيد ثمة خطأ... فزوجي لم يكن بهذه الخصال.
قال قائل أن كلارا في وقت لاحق دخلت الحمام و مسحت مؤخرتها بالورقة التي سلمها القائد كتذكار عن الزوج البطل الذي لبى نداء الوطن دفاعا عن الشر في كل مكان. نقلت كل الفضائيات هذا الغسيل الذي سببته كلارا و ثارت ثائرة الكابتن و العسكر في العالم كيف تتصرف كلارا بهذه الشكل المخزي لكرامتنا و صدقنا اكتفت بالقول:""هل تمكنتم أخيرا من مراقبتنا حتى عندما نتغوط؟ شكرا على اهتمامكم بأمننا و حريتنا""
هاهي كلارا تحدق في وجوه حقيقية و أخرى كابية، مستعارة أو مقنعة في ليلة من الفروض أن تكون ليلة حقيقية و سعيدة. توارت وجوه في الظلمة خوفا من عينيها، و بعضهن يتساءلن لم جئن إلى حفلة يشوبها هذا الغموض و الشك؟
كأن كلارا...
     مدّ الرجل البدين رجليه القصيرتين، المنتشي بحضور كل هذه الأجساد الرشيقة و السيقان البيض،يحظى لأول مرة بهذه التبجيل و الاحترام و النهود الكثيرة، لم يخف حيرته من صعوبة الاختيار في لحظة كانت عيناه مصابتين بعمى الألوان: هل هي ليلة حمراء أم سوداء؟
     اقترب من كلارا التي رآها لأول مرة بالقرب منه وسط الزحمة، غير مهتمة باقترابه و هو يحاول لمس شعرها القصير، خرج السجّان من صمته بلكمة جعلت البدين يترنح، تقيأ معدته ، مع ذلك قال من تحت الكنبة: من كان يصدق أننا سنرقص في ليلة كهذه رفقتكن يا جميلات... صفقوا كثيرا بعفوية، حتى الجلاد المنسي للحظات صفق أيضا باعتباره بطلا و لو كره الكارهون. حدق في وجهها كأنه يريد أن يقول لها : من سمح لك بالدخول؟
ضاعت أسئلته في الفراغ الممتد بينهما...طويلة كالنخلة، عنيدة، كان يعرفها منذ أيام فقط إذ اكتشف بالصدفة أنها تعلن حبها بسهولة و لن تخفي أبدا كراهيتها. لذا كان يتجنبها قدر المستطاع في رواق السجن، في كل مكان تظهر فيه بصرامتها و طيبتها.
هاهي أمامه على بعد خطوتين منه. فكر في إخراجها بالقوة.
تساءل الجلاد بحقد: كيف نسمح لهؤلاء بالدخول؟
   تذمر السجّان من بلادة الجلاد و حماقاته التي تتكرر قائلا له:سكّر فمك.
 نطقها تماما كأهل البلد عندما يصل الموسى إلى حد العظم. اكتشف لحظتئذ كم كان وقحا عندما ساهم بشكل كبير في تمثيلية حقيرة و منح فرصة لقواد حقير مثل هذا الجلاد الذي لا يرحم..سكر فمك..شعر الجلاد بالدونية رغم أنه بطل، رغم أن الكثيرين أحتفل هذه الليلة بالانجاز التاريخي وبما فعله في القتيل. من يقدر على ذلك لولاه؟ ابتلع ضعفه و كلماته بينما عيناه في وقفتها هذه المرة، يراها بالفعل نخلة تطاولت أكثر من المعتاد في حانة غاصة بالسكان و السكيرين: نساء و رجال ، شرطة وجنود ،حراس، سفراء، سفهاء، شواذ، مرتزقةّ، أمريكان،انكليز، أميون، بسطاء، وآخرون على جنبات الطريق ينتظرون الدخول،عيون من خلف ستائر النوافذ المطلة على الحانة الأمريكية المدعمة بخيم على الجانبين كاحتياط لاستقبال ضيوف القبيلة في حفل استثنائي تبركا و فرحا بالنهايات السعيدة.  حاول السجان أن يداري ظهره و وجعه. كان يتألم فعلا من أحزان كلارا، هي وحدها التي صنعت أزمته في لحظة لم يكن يتوقعها، إذ رأى الدمعة في عينين زرقاوين. ماذا سيقول لها وهو الذي  يتناوم منذ فترة غير مبال بما سيحدث، هو الذي أراد بشكل ما أن تنتهي المسألة في أسرع وقت، بعيدا عن هذا الهراء اليومي الذي أبدعه رجال القانون و الحقوق و المنظمات الكثيرة التي تتطاول و تشكك و تحتقرنا كأناس جئنا من العصور الغابرة. أعتقد أن كلارا تتفهم الوضع، فهي الأقرب إلينا، والى موقعنا لذا سمحنا لها أن تقوم بما يمليه القانون و الحالة..و..
قال محدثا نفسه: صرت أتحدث كالجلاّد..كان يخاف من عينيها الغاضبتين.كلما رآها تعتصره الآلام.
 تلك الليلة أراد أن ينسى بشكل ما بأنه ساهم حقا بغبائه في تمثيلية حقيرة، كأنه يريد أن يقول لنفسه المشكلة أكبر مني و منك كلارا، ماذا سأفعل في نهاية المطاف سوى التزكية وإعطاء فرصة لقواد حقير مثل هذا الجلاد الذي راوغني وراوغ الجميع لنتأكد في الأخير أن المشكلة تتفاقم قد نتأذى أكثر بلا شك...لم أكن أعرف أن الجلاد حقير بهذا الشكل، أجل لم أكن أعرف أبدا أن التاريخ سيتوقف لحظة و يعيد الناس حساباتهم معنا، من منا يسحن قراءة التاريخ، أعرف الآن كم كان الخطأ جسيما،
و كم كنا أنذالا إلى درجة صرت أكره وجهي ..لا ..لا لم أعد أحتاج إلى استعمال المرآة كلارا.
لم أعد أنا..تأكدي من أني فقدت أنا! أريد أن أقول كل شيء و أمضي في هذه اللحظة التي اختلطت فيها الحقيقة بالوهم و الدم..و المؤامرات. تفاجأت مثلكم تماما بأن السّجين لم يمت. كأني أراه الآن يرافقه الآلاف من المشيعين...آه كلارا كم أنا وقح!
لم أصدق أبدا .
 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
* جيلالي عمراني، قاص من الجزائر